الشريف المرتضى
326
الذخيرة في علم الكلام
على أن القول بأن تكليف الرسالة مستحق يقتضي وجوب بعثة الرسل ، وان لم يكن في ارساله فائدة لأحد من تحمل شرع ، ولا غير ذلك من الوجوه المتقدمة . لأنه غير ممتنع أن يخلو المعلوم من ذلك ، ويستحق بعض المكلفين بأعماله الرسالة ، فيجب ارساله على كل حال جزاء على عمله . ومن شبهة البراهمة قولهم : لا يخلو الرسول من أن يأتي بما هو موافق لما في العقول ، أو بما هو مخالف له ، فإن كان الأول فالعقل مغن عنه ، وان كان الثاني فما يخالف العقل قبيح . والجواب عن ذلك : أن الشرع انما يرد بتفصيل ما في العقل جملته ، فهو موافق في المعنى وغير مخالف له ، لأن العقل دال على طريق الجملة على أن ما دعا إلى القبيح فهو قبيح وما صرف عنه فهو واجب ، فإذا ورد « 1 » السمع في فعل بعينه بأنه داع إلى القبيح علمنا بالعقل قبحه ، وكذلك إذا ورد السمع بأنه صارف عن قبح علمنا وجوبه . فلو انكشف لنا بالعقل وبغير سمع ما كشفه لنا السمع لعلمنا بالعقل ، وما نعلمه بالسمع عند السمع فلا مخالفة بين العقل والسمع ، وانما يكون مخالفا لو نفى السمع حكما ثابتا في العقل وأثبت حكما منتفيا فيه ، وليس الامر على ذلك . وليس كشف السمع عن تفصيل هذه الأمور إلا كشف العادات والتجارب والاخبار عنها . ألا ترى أن العقل لمّا دلّ على وجوب تجنّب المضار على الجملة ودلّ على قبح الظلم من طريق الجملة ، ورجعنا في حصول الضرر في بعض الأفعال إلى عادة أو تجربة أو خبر لم نكن بذلك مخالفين لما في العقل ، وكذلك إذا رجعنا في كون الضرر ظلما إلى طريقة من الاعتبار ليست مجرد العقل لم يكن ذلك مخالفا للعقل .
--> ( 1 ) في ه « فان أورد » .